عبد الرحمن بدوي
159
الأفلاطونية المحدثة عند العرب
قال أحمد : النازلون على مصب الفرات هم الكلدانيون العلماء بحساب النجوم والقضاء بها ؛ وهم أول من تكلم في إخراج الضمير . فيريد الفيلسوف أنه إذا كان ( من ) غير المعتاص أن يتجاوز علم الإنسان الجسم الكثيف العكر اللحمانى الذي هو ثقل الطبائع فيصل إلى النفس البسيط فيقف على حركاتها ومرادها التي هي أسرع الحركات وألطفها ، إذا يستعان بعلم القضاء بحركة الأشخاص العلوية - كذلك يجب على المنتحل لهذا العمل أن يستدل باستدلال الطبيعة ، أعنى بها ما يجب أن يحدث في شئ من الأشياء إذا عولج بنوع من التدبير ، فيكون وقوفه عليه في أوان وقوع الشئ كوقوفه عليه وقد فرغ من التدبير . قال أفلاطون : وبالنفسانى ما يعلم الطبيعي ، كما أن بالعقل « 1 » ما يعرف النفساني . فأما العقل فمنعتنا الطبيعة عن الجولان فيه فضلا عن الإحاطة . قال أحمد : إن هذا القول قد جمع فيه الفيلسوف علّة البدء والانقضاء وماهية ذلك والشئ الذي من أجله كانت الأشياء مما لا يستحق هذا الكتاب وصفه فيه لأنه يرتفع عنه . إلّا أنى مضطر أن أكشف منه ما أتمّ به بيان لفظ الفيلسوف . ولولا أن يظنّ بي أنى جهلته ، لكنت أحيد عنه وأتجاوزه إلى غيره ؛ إلا أنّى آتى بالاختصار دون التمام : « 2 » اعلم أن من آراء الأوائل المخصوصين بالعلم والفضائل أن الشئ الذي من أجله كانت الأشياء إله لا يرى ولا يتحرك ، وأن بإرادته كان العقل المميز ، وبإرادة العقل كانت النفس البسيطة ، ومن أجل النفس كانت الطبائع المفردة التي تولدت منها المركبة ؛ ويرون « 3 » أنه لا يعرف الشئ إلا بما فوقه : فالنفس فوق الطبيعة وبها تعرف الطبيعة ، والعقل فوق النفس وبه تعرف النفس ، ويعرف العقل وما فوقه ويحيط به ذلك الإله الفرد الذي قد بان استحالة الوقوف على ماهيته ، إذ كان قد تقدم القول أنه لا يعرف الشئ إلا
--> ( 1 ) ص : العقل - و « ما » : زائدة . ( 2 ) هنا عرض للمذهب الأفلوطينى . ( 3 ) ص : يروا .